ماهية الجهاد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم

كتبها المهاجر ، في 20 نوفمبر 2007 الساعة: 21:11 م

ماهية الجهاد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم


شعيرة الجهاد ، تلكم الشعيرة  التي ساء فهمها لدى الكثيرين من الناس ، واتخذها أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم  وسيلة للطعن فيه ، واتهامه بأن دينه يدعو إلى العنف والقسوة وإرهاب الآمنين ـ وكان آخر ذلك ما جاء في حديث الجاهل بابا الفاتيكان ـ  وما ذلك إلا لتشويه صورته عند من لا يعرفون شيئا عن تعاليمه السامية ، مستغلين في ذلك ما يقع من حين لآخر في بعض بلدان العالم من أحداث دموية مروعة، وتنسب إلى المسلمين ، رغم أنه لا يعلم على سبيل اليقين من وراءها ، ولا من يقومون بها.

ولكي يتضح للناس جميعا ـ مسلمين وغير مسلمين ـ أنه لا يوجد أدنى شبه بين تعاليم رسول الله وبين ما ينسب إليه من أن دينه هو سبب العنف الذي يسود العالم الآن فإني أوقف القارئ على حقيقة  الجهاد في حياته صلى الله عليه و سلم ؛ ليعلم لماذا جاهد صلى الله عليه وسلم  ، وكيف كان جهاده ، وذلك من خلال  الحقائق التالية :


ـ الحقيقة الأولى هي أن الجهاد في الإسلام ليس معناه رفع السلاح في وجه كل مخالف له ، أو إجباره على اعتناق أفكاره ، وإنما هو باختصار كما قال أكثر علماؤنا القدامى : أن يبذل المسلم ما في وسعه من أجل دفع المعتدين ، ونصرة الحق ، ورفع الظلم عن المظلومين (1)  .


كما قال سبحانه وتعالى "…وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا"  (2)


وهذا لا يعني أيضا أن المسلم مأمور بأن يسعى لهلاك نفسه ، ولا يبالي بأمنها ؟ أو أنه متعطش لسفك الدماء كما وهم البعض ؟  كلا إنه يحرص على الحياة الآمنة السعيدة له ولغيره ، وربما أكثر من غيره ؛ لأن الإسلام يربيه على أن يكون محبا للناس وديعا مسالما ، يهدي السلام إلى كل من يلقاه ؛ مقدرا للحياة التي هي هبة من الله ولله .


كما أن الله الذي خلق الإنسان بيده وسواه،  ونفخ فيه من روحه ، وفضله وكرمه على كثير ممن خلق ، لا يريد ـ بفرض الجهاد ـ سفك دمه أو إهدار حياته مسلما أو غير مسلم ، بل هو أرحم به من نفسه ،  وقد ذكر في القرآن الكريم أنه "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا"  (3)  أي في الذنب  وأكد رسول الله أن قتل النفس من كبائر الذنوب ، ومن أعظم الخطايا بعد الشرك  بالله .


لكن الله يريد أن يعبد ، ويذكر اسمه في الأرض ، دون أن يكره أحد على ذلك ، يريد أن يعيش الناس أحرارا في حياتهم ، وأحرارا في معتقداتهم وأفكارهم ،وأحرارا في تصرفاتهم ، لا يستعبدهم أو يستغويهم أحد ، يريد أن يصل الإسلام إلى الناس جميعا ، ويعرض عليهم واضحا ، وأن يعرف الناس جميعا أنهم خلقوا لذلك ، ثم هم بعد ذلك أحرار في قبوله أو رفضه كما قال سبحانه وتعالى " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر "  (4) .


فإذا ما جاء أناس وتصدوا له وحاربوه ، ومنعوا الناس من اعتناقه ، وأصروا على ذلك ، ولم تُجد معهم كل السبل دون القتال ، لم يكن أمام المسلمين غير مواجهتهم ودفعهم ؛ حتى يكفوا عن محاربة الإسلام ، وإلا خلت الأرض من العابدين لله ، وانتشر فيها الفساد ، وفي ذلك إيذان بزوال البشرية جميعها من على وجه الأرض ، كما قال تعالى : " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز"(5) وقوله تعالى "   ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين"(6).


ـ الحقيقة الثانية هي أن الإسلام ليس بدعا في اللجوء إلى السلاح ضد من يعادونه ، ويمنعون الناس من قبوله  ،  فعلى مدى تاريخ البشرية الطويل لم ينجح الحق في تثبيت أركانه ، ونشر سلامه في الأرض إلا بعد مدافعة البغاة ، والمسيح ـ عليه السلام ـ الذي سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى نشر السلام في الأرض لم يقدر له أن يحقق ذلك في عصره ؛ لأن البغاة وقفوا في طريقه ، ولم يجد من القوة ما يدفعهم به.


وفي العصر الحديث لم تخرج أوربا إلى الحرية التي تعيشها الآن إلا بعد أن دفعت ثمنها ، واستخدمت القوة في التخلص من سيطرة الأباطرة ، مع إن الفارق كبير جدا، فنحن في الإسلام لم نسمع عن طفل واحد قتل أو أصيب خلال مواجهات نبي الإسلام كلها مع أعدائه ، ولم يقتل من النساء في كل معاركه سوى ثلاث أو أربع قتلن  لظروف معينة ، ومن قتل من الرجال الأبرياء خطأ دفع صلى الله عليه وسلم ديته التي تقدر بمائة من الإبل أو ثمنها .


ـ الحقيقة الثالثة أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث في مكة قرابة ثلاث عشرة سنة ـ أي أكثر من نصف فترة النبوة ـ  يدعو إلى الله ، وتحمل هو ومن معه كثيرا من الإيذاء والاضطهاد ، واضطرهم المشركون إلى هجر بلادهم وترك أموالهم ، ولم يقابل ذلك إلا بالصبر ، وما رد على أحد اعتداءه  ، حتى تعجب بعض أصحابه من ذلك فقالوا: يا نبي الله ! كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة ؟! فقال: "إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم "  (7) مما يؤكد أن المسالمة هي الأصل في حياة المسلم ، وفي دعوته إلى الله تعالى .


فلما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم يسلم من هجمات المعتدين ، ووجد زعماء المشركين في مكة يصرون على صده ومنعه من تبليغ دعوة ربه ، ويخيفون الناس من اتباعه ، وحرضوا عليه المشركين في المدينة .


فقد كتبوا إلى ابن أُبيّ ( زعيم المنافقين بالمدينة ) ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوْس والخزرج، إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم باللّه لتقاتلنَّه أو لتخرجنَّه أو لنسيرنَّ إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم، وعزم عبد اللّه بن أُبَيٍّ ومن كان معه من عبدة الأوثان على فعل ما أمروا به ، واجتمعوا لقتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، لولا أنه لَقِيَهم بحلمه وقال لهم: "لقد بلغ وعيد قريشٍ منكم المبالغ، ما كانت تكيدهم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم !" (8).


فلم يكن أمامه إذن من حل غير التصدي لهم ولغيرهم ، وكفهم عن ذلك ، ودفع خطرهم عنه ، وذلك بعد أن أذن الله له ، فقال تعالى "‏ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بأَنَّهُمْ ظلِمُوا وَإنَّ اللّه عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللّه"  (9)  فكانت علة الإذن بالقتال ما تعرضوا لهم من قتل وظلم ثم إجبار على الفرار من ديارهم  .


ـ الحقيقة الرابعة أن رسول الله لم يكن يبادئ أحدا بقتال في كل غزواته ـ رغم يقظته التامة لكل ما يدبره أعداؤه ـ بداية من غزوة " بدر " التي أجبره أبو جهل على خوض غمارها عندما قال متحديا  ‏:‏ والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم بها ثلاثًا، فننحر الجَزُور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف لنا القِيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يـزالون يهابوننا أبدًا"  (10)  وظل حتى قبيل المعركة بلحظات يود انصرافهم عنه  ؛ حقنا للدماء ، وقال لما رأي عتبة يدعوهم إلى ذلك : "إن يطيعوه فيما دعاهم إليه يرشدوا" (11)  .


وانتهاء بغزوة " تبوك " التي خرج إليها لما علم أن هرقل إمبراطور الروم قد جيّش الجيوش من الروم والعرب الموالين له على حدود الشام ،وجعلها تحت قيادة عظيم من عظماء الروم ، وهو زاحف للقضاء على المسلمين بالمدينة ، قبل أن يمتد الإسلام إلى ربوع البلاد التي يحتلها ، بعدما جاءته الأنباء بأن العرب أقبلوا على الدخول في دين الله أفواجا .


ـ الحقيقة الخامسة أن رسول الله لم يقاتل أعداءه قتال الحاقد أو الكاره أو المنتقم ، وكان شعاره " من كف وألقى سلاحه فهو آمن " وقد أمر يوم "بدر"  بعدم قتل مجموعة من الناس علم أنهم خرجوا مع أبي جهل مكرهين ، ولم يأمر باتباع الفارين منهم بعد نهاية المعركة ، وقام بدفن جثث القتلى منهم بعد أن تركها أهلهم وعادوا إلى مكة ؛ تكريما لإنسانيتهم .


وأحسن إلى الأسرى بطريقة لم تعهد في تاريخ الإنسانية ، وقد صور أحد الأسرى ويسمى " زرارة بن عمير" بعض هذا الإحسان بقوله " كنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر ، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالطعام ، وأكلوا هم التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا ، وما تقع في يد رجل منهم لقمة إلا نفحني بها ، فأستحي فاردها ، فيردها علي ما يمسها" (12)


وافتدى كل واحد على قدر حالته المالية ، ومن عجز عن دفع الفدية منهم أطلق سراحه دون مقابل ، ومن هؤلاء رجل يسمى "عمرو بن عبد الله الجمحي" كان محتاجاً ذا بنات، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: قد عرفت أني لا مال لي، وأني ذو حاجة وعيال فامنن علي، فمن عليه وشرط عليه أن لا يظاهر عليه أحداً (13)


ولم يعاقب أحدا على ما سلف منه من اعتداءت على المسلمين بعد تغلبه عليه ، باستثناء من نفذ فيهم حكم الله ، حتى من دبروا لاغتياله ،  فقد عفا عن عمير بن وهب الذي حاول اغتياله بعد غزوة " بدر" ثم وقع في قبضة المسلمين ، واعترف أمامه بخطته  (14) .


وقصة عفوه عن "غورث بن الحارث" لدليل صادق على سعة صدره وحلمه الذي لم يتخلق به أ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الأيام النظرة في شرح السيرة العطرة ( 6 )

كتبها المهاجر ، في 7 يناير 2008 الساعة: 01:34 ص

تـابع ذكـر أزواجه - خدمـه - أفراسـه صلى الله عليه و سلم :

الدرس السادس :
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مُرشدًا.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آهل وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه
بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد .
فهذا هو الدرس السادس من تعليقنا على الدرة المضيئة للسيرة النبوية للإمام المقدسي رحمه الله تعالى، وكنا قد انتهينا في ذكر أزواجه صلوات الله وسلامه عليه، وتكلمنا عن أكثرهن، ولم يبق لنا إلا الحديث عن زوجتين من أزواجه رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن.
وكما جرت العادة استدراكًا لما كان بالأسبوع الماضي نراجع بعضًا مما ذكرناه , أن الله أبطل عادة منع الزواج بالتبني في زواجه صلى الله عليه وسلم من زينت بنت جحش، وقلنا إن زيدًا رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان زوجًا لها، وأنها كانت تفخر عليه بأنها من قريش، ثم إنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يشتكي إليه زينب، فأنزل الله جلّ وعلا قوله في سورة الأحزاب ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴿36﴾ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ من المخاطب هنا؟ زيدٌ ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ هذا قول النبي الله عليه وسلم ﴿ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ ما الذي أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم والذي هو سيُبديه الله؟ زواجه من زينب، أي أن الله أوحى إلى نبيه أن زينب ستكون زوجةً له ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾ ما الذي خشيه صلى الله عليه وسلم من الناس؟ أن يقول الناس تزوج محمدٌ صلى الله عليه وسلم زوجة ابنه بالتبني [الأحزاب: 36، 37].
كما أننا ذكرنا أن من أزواجه صلى الله عليه وسلم أم حبيبة، وأنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، وقلنا إنه فر بها من مكة إلى الحبشة فرارًا بدينه لكن وقع أنه تنصر، وقلنا هذا من أعظم أن يحرص الإنسان على الأعمال التي تجعل الإنسان يظفر بحسن الخاتمة، هذا بعضٌ مما ذكرناه .
أما اليوم فإنا سنشرع إن شاء الله تعالى في قراءة المتن والتعليق عليه كما جرت العادة.

( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: صفية بنت حيي بن أخطب بن أبي يحيى ابن كعب بن الخزرج النضرية، من ولد هارون بن عمران – أخي موسى بن عمران عليهما السلام – سُبيت في خيبر سنة سبع من الهجرة، وكانت قبله تحت كنانة ابن أبي الحقيق، قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، وتوفيت سنة ثلاثين. وقيل سنة خمسين )

هذه صفية بنت حيي بن أخطب زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين، حيي ابن أخطب أحد زعماء يهود، ولما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة رآه حُيَيٌّ فعرف أنه نبيٌّ، واليهود كانت تعرف النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما قرأت عنه في التوراة، وهي حدثت بعد ذلك –أي صفية– أن أباها وعمّها التقيا بعد أن رأيا النبي عليه الصلاة والسلام،فقال عمُّها لأبيها: أهو هو؟ –يسأل–، قال: نعم أعرفه بوجهه –أو بنعته–، قال: فما في صدرك له؟، قال: عداوته ما بقيت، وهذا مصداق قول الله جلّ وعلا: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ﴾ [البقرة: 89]،
وقال تبارك وتعالى ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ [البقرة: 146، الأنعام: 20]، أي أن أهل الكتاب يعرفون النبي عليه الصلاة والسلام لا يُخطئون في وصفه كما يعرف الرجل منهم ابنه، والرجل عادةً لا يُخطئ في معرفة ابنه. ثم إنه ذهب إلى خيبر في الإجلاء الأول وهو من بني النضير، فلما ذهب إلى خيبر وقعت معركة خيبر كانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها بعد أن كانت في سبيه، فأصبحت أمةً له، فأعتقها وجعل عتقها صداقًا لها .

واختلف العلماء رحمهم الله – من باب الفائدة الفقهية – هل يكون العتق صداقًا أو لا؟
منهم من قال: إن هذا خصيصة للنبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: إنه غير ذلك، والذي يعنينا في شرح السيرة هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها، وجعل عتقها صداقها سواءٌ كان هذا خاصًا به أو كان شاملا لأمته.وقد كانت جميلةً رضي الله عنها وأرضاها، وهي من ولد هارون بن عمران أخي موسى ـ على موسى وعلى هارون السلام ـ ، وقد أغضبتها بعض أمهات المؤمنين – وقد مر معنا هذا في الدرس الأول– فجاءت للنبي عليه الصلاة والسلام تبكي فقال لها عليه الصلاة والسلام ( بم تفخر عليك، فإنك ابنة نبي، وعمك نبي ) يقصد موسى ( وإنك لتحت نبي ) يقصد نفسه عليه الصلاة والسلام.ولما تزوجها عليه الصلاة والسلام في منصرفه من خيبر أراد أن يدخل عليها على مقربة من خيبر فامتنعت وأبت، ثم لما تقدم قليلا نحو المدينة قبلت ودخل عليها صلى الله عليه وسلم، فسألها عن المانع الأول فقالت: "خشيت عليك من اليهود"، مما يدل على أنه وقر في قلبها محبة الدين ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خشي أبو أيوب الأنصاري على نبينا عليه الصلاة والسلام يوم أن دخل عليها فبات يحرصه خوفًا أن يكون بها شيءٌ من غدر يهود وهو لا يعلمها، ثم تبين مدى حبها لنبينا صلى الله عليه وسلم وحسن إسلامها، وبقيت كذلك حتى توفاها الله جلّ وعلا، فهي زوجة نبينا في الدنيا والآخرة رضي الله عنها وأرضاها.
( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير ابن الهرم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية، وهي خالة خالد بن الوليد، وعبدالله بن عباس، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف، وبنى بها فيه، وماتت به، وهو ماء على تسعة أميال من مكة، وهي آخر من تزوج من أمهات المؤمنين، توفيت سنة ثلاث وستين.فهذه جملة من دخل بهن من النساء، وهن إحدى عشرة، وعقد على سبع ولم يدخل بهن ).
هذه ميمونة بنت الحارث الهلالية أخت أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب، فالعباس رضي الله عنه وأرضاه عم النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف منها الصلاة والصيام والقيام؛ فأشار على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها، وهي أخت زوجته، أخت أم الفضل، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في مُنصرفه من عمرة القضاء في وادٍ يُقال له سَرف على وزن كَتف، وهو وادٍ في مكة، في طريق المدينة
الخارج من مكة إلى المدينة بعد النوارية بقليل يأتي وادي سرف، وهو الآن معمور به بقالات ومحطات تأتي على يمنك وشمالك، هذا الوادي هو وادي سرف الذي تزوج فيه النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث.
وكان من فائدة زواجه بها بالنسبة للأمة أن عبد الله بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما تُصبح هذه المرأة خالته فكان يبيت عندها، فإذا بات عندها يرى قيام النبي صلى الله عليه وسلم، فنقل عبد الله بن عبّاس كثيرًا من أخبار النبي عليه الصلاة والسلام لكونه يستطيع أن يدخل على خالته ميمونة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
وقد ذكر المصنف أنها آخر أمهات المؤمنين موتًا –هذا على قول–، والقول الثاني أن آخر أمهات المؤمنين موتًا هي أم سلمة، إذًَا هناك خلاف في آخر أمهات المؤمنين موتًا هل هي ميمونة أو هي أم سلمة رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، هذا علمٌ تاريخي لا يتعلق به حكم، كما أنهم اتفقوا على أن زينب بنت جحش هي أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم موتًا بعده، ماتت بعد عشرين سنة من وفاته صلى الله عليه وسلم، فهي أول نسائه لحوقًا به عليه الصلاة والسلام.
يتحرر من هذا كله أمهات المؤمنين، وقد ذكر المصنف في آخر المقال أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على سبعٍ ولم يدخل بهن، وهذا بعيدٌ بعض الشيء، والأشهر أنه على خمس أو أربع ولم يدخل بهن، منهن من استعاذت به[1]، ومنهن من وجد في كشحها بياضًا، وأخريات لم تثبتهن كتب المصادر إثباتًا جيدًا، لكن الذي يعنينا أن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسعٍ من النساء، وكان يقسم –كما قلنا بالأمس– لثمان، لماذا؟ قلنا أن سودة وهبت ليلتها لعائشة رضي الله تعالى عنهن جميعًا وأرضاهن.
في عصرنا الحديث ما شغّب المُستشرقون والطاعنون بالسنة في شيء كما شغّبوا في قضية أن النبي صلى الله عليه وسلم كيف يتزوج هذا العدد من النساء؟
وهذا مما يطول شرحه لكن نقوله على وجه الإجمال، لو كان النبي عليه الصلاة والسلام يريد ما يفهمه الناس من زواجه من النساء لكان إلى الأبكار أقرب منه إلى الثيب، ومع ذلك لم يتزوج بكرًا إلا عائشة، ولم يُثني –يتزوج الثانية– إلا وقد جاوز الخمسين صلوات الله وسلامه عليه، وعاش قرابة ثلاثين عامًا مع زوجته خديجة وهي أكبر منه سنُّا ولم يتزوج عليها صلوات الله وسلامه عليه، وإنما تزوج لأمورٍ متعددة وأغراضٍ، منها ما يكون إبطالا لحكم جاهلي كزواجه من زينت، ومنها ما يكون نصرةً للدين، فإن العرب في عادتها وأعرافها السابقة كانت ترى أن الصهر يقرب بين بطون القبائل، فكان صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة له خصوم وأعداءٌ في القبائل فكان يتزوج حتى يكسر ثورة غضب واجتماع القبائل عليه حتى يكون له عندهن رحمًا وصهرا فيكون هناك نوع من الحمية بالنسبة لهن أن بناتهن تحت نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
ثم إننا نقول إن هؤلاء الأمهات رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن صبرن على شظف العيش، فليس في الزواج

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الأيام النظرة في شرح السيرة العطرة ( 5 )

كتبها المهاجر ، في 14 ديسمبر 2007 الساعة: 12:36 م

أعمامه و عماته و أزواجه ـ صلى الله عليه و سلم :
الدرس الخامس :
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مُرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره وتبع منهجه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اليوم إن شاء الله تعالى سنشرع في التعليق على ما جاء في ذكر أعمامه وعمّاته وأزواجه صلوات الله وسلامه عليه.

فصل في أعمامه وعماته:

(وكان له صلى الله عليه وسلم، من العمومة أحد عشر؛ منهم:
الحارث: وهو أكبر ولد عبد المطلب، وبه كان يكنى، ومن ولده وولد ولده جماعة لهم صحبة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقثم: هلك صغيرًا، وهو أخو الحارث لأمه.
والزبير بن عبد المطلب: وكان من أشراف قريش، وابنه عبد الله بن الزبير، شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا، وثبت يومئذ، واستُشهد بأجنادين، ورُوي أنه وجد إلى جنب سبعة قد قتلهم وقتلوه.
وضُباعة بنت الزبير، لها صحبة، وأم الحكم بنت الزبير، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وحمزة بن عبد المطلب: أسد الله وأسد رسوله، وأخوه من الرضاعة، أسلم قديمًا، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وقُتل يوم أحد شهيدًا، ولم يكن له إلا ابنة.
وأبو الفضل العباس بن عبد المطلب: أسلم وحسن إسلامه، وهاجر إلى المدينة، وكان أكبر من النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، وكان له عشرة من الذكور: الفضل، وعبد الله، وقثم لهم صحبة، ومات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان ابن عفان بالمدينة. ولم يسلم من أعمام النبي صلى الله عليه وسلم إلا العباس وحمزة.
وأبو طالب بن عبد المطلب: واسمه عبد مناف، وهو أخو عبد الله – أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم – لأمه، وعاتكة صاحبة الرؤيا في بدر وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم.وله من الولد طالبٌ – مات كافرًا – وعقيل، وجعفر، وعلي، وأم هانئ – لهم صحبة – واسم أم هانئ فاختة، وقيل: هند. وجمانة ذكرت في أولاده أيضًا.
وأبو لهب بن عبد المطلب: واسمه عبد العزى، كناه أبوه بذلك لحسن وجهه، ومن ولده عتبة، ومُعتَّبٌ، ثبتا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، ودرة، لهم صحبة. وعُتَيْبَةُ قتلة الأسد بالزرقاء من أرض الشام على كفره بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم .
وعبد الكعبة، و حِجْلٌ واسمه المغيرة، وضرار أخو العباس لأمه، والغَيْدَاق، وإنما سمي الغيداق لأنه أجود قريش، وأكثرهم طعامًا )

هؤلاء كما ذكر صاحب المتن من أعمام النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل التعليق على هذا يحسن أن تعلم أن الأصل أن العمّ معروفٌ هو أخو الوالد، أن عبد المطلب هو جد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن له في أول الأمر إلا ابنٌ واحد، ثم إنه اشتد عليه بعض الخلاف مع زعماء قريش فنذر إن رزقه الله أولادًا يمنعونه أن يذبح أحدهم –هذا في الجاهلية-، فرزقه الله جلّ وعلا أولادًا،
فأراد أن يذبح ابنه عبد الله ثم حصل ما حصل من قضية الاستهام، فُديَ عبد الله بمائة من الإبل، هؤلاء كلهم إخوة لعبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم فأصبح إخوة أبيه أعمامًا له. نعود لأصل الموضوع، أصل الموضوع أن لوطًا عليه الصلاة والسلام، ويحسن لطالب العلم أن يربط بين حياة الأنبياء ويفقه السنن التي يبعث الله جلّ وعلا من أجلها الرسل، الأصل أن لوطًا عليه الصلاة والسلام كان ابن أخٍ لإبراهيم عليه الصلاة والسلام، فلما هاجر لوطٌ ونزل أرض سدُّوم في جهة البحر الميِّت اليوم وجاءته الملائكة في صورة وجوهٍ حسانٍ تام الخلقة وفُتن بهم قوم لوطٍ ودخلوا عليه وراودوه عن ضيفه كما قال القرآن، قال لوطٌ –كما نص الله- ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ [هـود: 80]، فكان يتمنّى أن يكون له قومٌ ينصرونه على هؤلاء، لأنه لو كان منيعًا لما تجرأ هؤلاء عليه، قال صلى الله عليه وسلم كما في البخاري وغيره ( فما بعث الله بعده من نبيٍّ إلا في منعةٍ من قومه ).
فكان للنبي صلى الله عليه وسلم أعمامًا، وبنو هاشم كانوا لهم سيتُ عند القرشيين، هذا كله من أجل حفظ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وقد بيّنا في السابق أن الإنسان قد يستفيد حتى من الكافر، فبنو هاشم مؤمنًا وكافرًا كانوا عصبة للنبي عليه الصلاة والسلام، وقلنا إنهم جميعًا دخلوا معه الشعب المؤمن منهم والكافر، وقبلوا الحصار لأنهم يشعرون بالأنفة والحميّة لمن يحمونه ولو كانوا يخالفونه، والشاهد من هذا كله، هذه قضية أن النبي عليه الصلاة والسلام كان له أعمامٌ كثيرون، لكن هؤلاء الأعمام أنت لست مُلزمًا بحفظهم، وإنما ذكرهم صاحب المتن من باب التعلم، ولست مُلزمًا كطالب علم بحفظ أسماء الأحد عشر، لكن ما الذي أنت مُلزمٌ به؟ التصور الكامل للمسألة، أن تعلم أن أعمام النبي صلى الله عليه وسلم يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول : قسمٌ لم يُدرك نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ومبعثه، وبالتالي عندما لم يدرك النبوة ولم يدرك المبعث يكون مات على ماذا؟ يموت على دين آبائه فهو من أهل الفطرة، يجري عليه ما يجري على أهل الفطرة، لأنه ما أدرك بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا قسمٌ أول.
القسم الثاني: أدرك مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن، وهذا يضم اثنين شهيرين، أبو طالب وأبو لهب، فكلاهما أردك البعثة النبوية ولم يؤمن، إلا أن هذا القسم نفسه –أي الثاني- هو نفسه ينقسم إلى قسمين:
• قسمٌ لم يؤمن وناصر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أبو طالب.
• وقسمٌ لم يؤمن وعاد النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينصره وهو أبو لهب، وسُمِّي أبو لهب لجمال خديه ونورهما، واسمه الحقيقي عبد العُزّى، وإنما أبو لهبٍ كنيته، وفي هذا نزل قول الله جلّ وعلا ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿1﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿2﴾ ﴾ [المسد: 1، 2].
وهذه الآية من أعظم الصور الدالة على أنه لا يمكن لأحدٍ أن يخرج عن مشيئة الله، كيف هي دالة على هذا؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول هذا القرآن من عند الله، وقريشٌ تقول ومن ضمنها أبو لهب هذا القرآن ليس من عند الله، فلمّا قال أبو لهب للنبي عليه الصلاة والسلام تبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا أنزل الله على نبينا هذه السورة، فقال عليه الصلاة والسلام يتلوها ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿1﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿2﴾ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿3﴾ ﴾ [المسد: 1-3].

ومعلومٌ أن النار ذات لهب لا يصلاها المؤمن، يصلاها الكافر، فهو يقول للناس وأبو لهب يسمع ﴿ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴾، أنا قلت أن فيها دليلا أنه لا يسع أحدٌ أن يخرج على مشيئة الله، فأين الدليل؟ كان بإمكان أبي لهب أن يقول للناس محمد يقول إنني في النار، أنا الآن مؤمن بمحمد حتى يُبطل على النبي القرآن، يعني كان بإمكان أبي لهب أن يقول أمام الناس هذا محمدٌ يقول إنني سأدخل النار، كلام ربه يقول أنني سأصلى نارًا ذات لهب، وهو يقول لكم أن المؤمن لا يدخل النار، فأنا أريد أن أُبطل قرآن محمد فأنا أقول لكم الآن أنا أشهد أن لا إله إلا الله، فكيف أدخل النار؟ إذا محمدٌ كذّابٌ.
هذه على سهولتها لم يستطع أن يقولها، و إلا لو قالها لخرج، لكن الله جلّ وعلا يعلم يقينًا أنه لن يقولها، ولذلك قال الله ﴿ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴾، وأنا لا أريد أن أخرج من السيرة إلى التفسير، ولكن من أراد أن يخشع في القرآن فليتدبر القرآن في المقام الأول، وفي القرآن كنوزٌ ليس هذا وقت إخراجها، من رُزق قدرةً على التفسير سيرى شيئًا عجبًا في دلائل قدرة الله، لكن كما قلت لا أريد أن أخرج إلى هذا المنحى المقصود أن أبا لهب لم يؤمن بالرسول – صلى الله عليه وسلم - وعاداه.

والقسم الثالث هو من أدرك بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وآمن، وهذا يشمل اثنين فقط رضي الله عنهما وأرضاهما، وهما العباس وحمزة ابنا عبد المطلب، فهذان – حمزة والعبّاس- عمَّا الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أن الفرق أن حمزة تقدم إسلامه والعبَّاس تأخر إسلامه،
وحمزة رضي الله عنه لم يترك إلا ابنة، وهو أسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو سيد الشهداء – كما صحَّ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم-، وقاتل قتالا عظيمًا يوم بدرٍ ويوم أحد.
فأراد أحد المشركين ممن وُتِرَ في بدرٍ جاء لغلامٍ اسمه وحشي، وحشيٌّ هذا غلامٌ ليس له ناقة ولا جمل في دين قريش، فقيل له تشتري حريتك بأن تقتل حمزة، فأعد حربةً ومكث في يوم أحد لا يريد أن تنتصر قريش ولا أن ينتصر محمدٌ صلى الله عليه وسلم، المهم عنده أن يفوز بحريته، فاتخذ الحربة وتربص بحمزة ثم رماه بها فقتله، ثم جاءت هندٌ قبل إسلامها فقطعت بعضًا من جسده –رضي الله عنه وأرضاه-، أخذت كبده ولاكتها بفمها، وحصل ما حصل له من التمثيل رضي الله عنه وأرضاه، مُثل به، مُثل به قليلا.
ثم إن وحشيًّا هذا أُعتق فاشترى حريّته بقتل حمزة، ثم مرت الأيام ومرت السنون وكل شيءٍ بقدر، ( وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بينه وبنيها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعلم بعمل أهل النار حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها )، فلما أسلم وحشيٌ، فلما أسلم قصَّ على النبي صلى الله عليه وسلم كيف قتل حمزة، فقال له عليه الصلاة والسلام ( غرِّب وجهك عني )، أي لا أستطيع أن أراك، ولم يرد إسلامه لأن هذا دين، ليس للنبي عليه الصلاة والسلام أن يتحكم فيه، لكن مسألة العاطفة مع العم أمرٌ متروكٌ له، وهو شيءٌ بشريٌ فلم يستطع عليه الصلاة والسلام بعد ذلك أن يرى وحشيًّا،وقُدِّر لوحشيٍّ كما قتل حمزة أن يقتل مُسَيْلِمَةَ الكذاب في حرب اليمامة، ولعل هذه تُكفر تلك وإن كان الإسلام يجبُّ ما قبله.
أما العبّاس رضي الله عنه فقد عُمِّر حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أكبر من النبي عليه الصلاة والسلام بثلاث سنين، فإذا سُئل أيهما أكبر أنت أم رسول الله يتأدب ويقول: هو أكبر مني وأنا أسنُّ منه، يتأدب ويجيب ويقول: هو –أي النبي- أكبر مني وأنا أسنُّ منه، كلمة "أسن" تُشعرك بالضعف، كلمة أكبر تُشعرك بالقوة، فينسب القوة والعلو للنبي عليه الصلاة والسلام، يعني أكبر مني قدرًا، وأنا أسن منه يعني في السن، ولا يقول أنا أكبر لأن هذا من الأدب في الألفاظ، هذا العبّاس رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

إذًا ينجم عن هذا أنه لم يُسلم من أعمام النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنان هما حمزة والعبّاس رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما.

وعماتُه صلى الله عليه وسلم ست:

(صفية بنت عبد المطلب: أسلمت وهاجرت، وهي أم الزبير بن العوام، توفيت بالمدينة في خلافة عمر بن الخطاب، وهي أخت حمزة لأمه.
وعاتكة بنت عبد المطلب: قيل إنها أسلمت، وهي صاحبة الرؤيا في بدر، وكانت عند أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ولدت له عبد الله، أسلم وله صحبة، وزهيرًا، وقريبة الكبرى.
وأروى بنت عبد المطلب: كانت عند عمير بن وهب بن عبد الدار بن قصي، فولدت له طليب بن
عُمير، وكان من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا، وقُتِل بأجنادين شهيدًا، ليس له عقب.
وأميمة بنت عبد المطلب كانت عند جحش بن رئاب، ولدت له عبد الله المقتول بأحد شهيدًا، وأبا أحمد الأعمى الشاعر واسمه عبد، وزينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وحبيبة، وحمنة، كلهم لهم صحبة، وعبيد الله بن جحش أسلم ثم تنصر، ومات بالحبشة كافرًا.
وبَرَّة بنت عبد المطلب: كانت عند عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له أبا سلمة، واسمه عبد الله، وكان زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وتزوجها بعد عبد الأسد أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس، فولدت له أبا عبرة بن أبي رهم.
وأم حكيم وهي البيضاء بنت عبد المطلب، كانت عند كُرَيْز بن ربيعة بن حبيب ابن عبد شمس بن عبد مناف، فولدت له أروى بنت كُرَيْز، وهي أم عثمان ابن عفان رضي الله عنه ).

بعد أن ذكر المؤلف أعمام النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عمّات النبي عليه الصلاة والسلام، وكما قلن
المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نعم سنفرح بالعيد

كتبها المهاجر ، في 14 ديسمبر 2007 الساعة: 12:32 م

سنفرح بالعيد وقدومه رغم الحاضر الأليم الذي تعيش فيه أمتنا ، والمستقبل القاتم الذي ينتظرها ، والعدو الغاشم الذي يكيد لها ، والمؤامرات التي تحاك لها ليلا ونهارا حتى من أبناء المسلمين ، وتخلي الكثيرين عن واجباتهم نتيجة الانشغال بهموم الحياة وذوبانهم في بحارها ، وانصراف المؤسسات التربوية والدينية والإعلامية عن واجبها تجاه الشباب الذي تاه وضل ، وصار لا يدري لماذا يعيش ، ولا حتى كيف يعيش ..

 

نعم سنفرح بالعيد رغم ما نراه من سعي الكثيرين  للتطبيع مع عدو أمتنا وديننا ، والتنازل له عن أراضينا ومقدساتنا ومواردنا ، والتآمر على البقية الصامدة المرابطة حول الأقصى الشريف .

 

سنفرح بالعيد رغم ما نراه من حرص عدونا على نشر العداوة وإشعال الحروب بين الفرق الإسلامية المختلفة في كل الأقطار الإسلامية ؛ ليجعل بأسهم بينهم شديدا ، لإيمانه أنه لا يقطع الشجرة إلا فرع منه ، ولأنه يعرف أن الخلافة الراشدة ما زالت إلا بسبب الفتنة التي أحدثها أذياله في معركتي الجمل وصفين ، وأن الروم ما تمكنوا من التوغل في الثغور الشامية مع بداية العصر العباسي الثاني إلا بعد تناحر الحمدانيين والإخشيديين ، وأن القدس ما احتلت قديما إلا بسبب التنازع عليها بين السلاجقة والفاطميين ، وأن الخلافة العثمانية ما كانت لتسقط حديثا إلا بسبب الصراع بين العرب والترك ، وأن فلسطين ما اغتصبت حديثا إلا بسبب اختلاف قلوب من بيده مقاليد الأمور ، ولن تدوم لليهود إلا إذا بقي العرب متشرذمين ، كل ذلك يعرفه عدونا بعد دراسة عميقة لتاريخنا …

 

سنفرح بالعيد رغم عجز علماء أمتنا عن القيام بأي دور يخفف من أزماتها المتعددة ، وتأخرهم عن التناصح والترابط والاعتصام والتخلص من الذاتية ، والتجرد لله ولو إلى حين .

 

سنفرح بالعيد رغم تراجع بعض الحركات الإسلامية التي كان يعول عليها في إيقاظ الأمة ونهضتها عن القيام بمهامها ودخولها في حلبة الصراع السياسي العقيم ، وصارت تتراجع يوما بعد يوم عن مبادئها من أجل أن تُرضي الآخرين لتأييدها ..

 

سنفرح بالعيد رغم عدم تقدير بعض ولاة الأمور لخطورة المرحلة التي نمر بها ، وأنها تحتاج للتضحية وتضافر الجهود ومراجعة الذات من أجل التغلب عليها ، وفي ذلك راحة وسعادة للراعي والرعية على السواء ، وإلا فالطوفان ـ سلمنا الله جميعا ـ عند نزوله لا يفرق بين من في القمة ومن في القاع ، وإن بلغ البعض سدة الجبال ، كما قال نوح عليه السلام : " لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم " .  

 

نعم سنفرح بالعيد رغم تباطؤ النصر والفرج الذي ننتظره ، وانصراف الناس عن طريقه بعد أن طال عليهم العهد ..

 

سنفرح بالعيد رغم السنين العجاف التي أهلت علينا بالغلاء الذي كاد يطحن الملايين من أمتنا ..

 

سنفرح بالعيد رغم عجزنا عن توفير أدنى احتياجاتنا المعيشية من مأكل وملبس ومسكن دون أن نعتمد على غيرنا ، مع ما نملكه من سائر المواد الخام اللازمة للصناعة ، وملايين الأيدي العاملة ، والمساحات الزراعية الشاسعة ، وموارد المياه العديدة ، فضلا عن مؤسسات التعليم التي تستنزف المليارات شهريا ..    

 

نعم سنفرح بالعيد لأن اليأس ليس من أخلاقنا ولا من طبعنا ـ نحن المسلمين ـ ولأن الله سبحانه وتعالى قال : " لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ " ( يوسف : 37) .

 

نعم لن نيأس ولن نضجر ، ولن نملُّ من طول الطريق بعد أن رأينا ما قاله رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم لمن شكوه المحن قائلين : ألا تَسْتَنْصِرُ لَنَا ؟ أَلا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا ؟ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ". ( رواه البخاري في علامات النبوة ) وقد حدث ذلك ، وعاشه الناس بعد أن صارت اليمن جزءًا من الدولة الإسلامية .

 

وقال لزيد بن حارثة ـ وهو مطارد بين الطائف ومكة لا يجد حتى من يساعده في العودة إلى بيته ـ :  " إنّ اللّهَ جَاعِلٌ لِمَا تَرَى فَرْجًا وَمَخْرَجًا ، وَإِنّ اللّهَ نَاصِرٌ دِينَهُ وَمُظْهِرٌ نَبِيّهُ " (زاد المعاد : ج 3 / ص 28) ولم تمض غير سنين قليلة حتى تغلب المسلمون على جل ممالك الفرس والروم ، وأظهر الله الإسلام بها على غيره من الأديان  .

 

بل وقال لبني بكر بن وائل ـ وهو يطوف وحده على وفود الحجيج بمكة باحثا عمن يحمله لبلاغ رسالة ربه ـ : "أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم، أتسبحون الله وتقدسونه ؟ " فقال له أحدهم وكأنه ذهل لما سمع هذا الكلام: اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش ؟! قال : "نعم" . (عيون ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هدايا الغرباء أ.د. عبدالكريم بكار

كتبها المهاجر ، في 5 ديسمبر 2007 الساعة: 21:45 م

الشاغل الأول للثقافة الشعبيّة بما هي عادات وتقاليد ونظم ورمزيّات يتمثل في تحقيق أكبر قدر ممكن من التلاحم الأهليّ والتواصل الأخويّ وهي في سبيل تحقيق ذلك تجد نفسها مضطرّة إلى التغاضي عن كثير من الأخطاء الاجتماعية، والقبول بالكثير من الأوضاع والأشياء السيئة والضارة. إنها تجعل من نشاطها مركزاً للتسويات، وتبدي براعة نادرة في إبداع أنصاف الحلول وإمساك العصا من الوسط.
إن الناس يلوذ بعضهم ببعض في الرأي والموقف كما تلوذ الطير ببعضها أيام الصقيع.
إن التقليد والحرص الدائم على التوافق والتطابق، يعطي دائماً إشارات الرّضا عن الأوضاع السائدة؛ لأنه يساعد على ذبول ملكة التمييز والتفريق بين الأشياء، ويجعل القدرة على النقد في أوْهَى حالاتها.
إن الثقافة الشعبية السائدة في أي مجتمع تدفع بالناس نحو التوحّد الشكلي بسبب الصندوق الذي تضعهم فيه. وذلك الصندوق مملوء بالتّحيّزات والأهواء والرؤى الجزئيّة المبتسرة، كما أنه مملوء بالمعايير والمقاييس غير العلمّية وغير الموضوعيّة. وفي كل الحالات يكون الخروج من ذلك الصندوق أو محاولة النظر إلى ما في خارجه –على أقل تقدير- شرطاً أساسياً لامتلاك رؤية أصيلة ونظرة جديدة للذات وللعالم.
إن الوحي بما هو شيء منفصل عن إنجازات البشر، يُخرج أفذاذاً من الناس من صناديقهم الثقافيّة، ليقوموا بعد ذلك هم وأتباعهم بكسر الاتّساق والمنطق الشكليّ الذي يشعر به سكان الصندوق؛ لكن ذلك لا يكون من غير ثمن، يقول الله – جل وعلا-:(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [آل عمران:19].
العلم هو الذي أخرج إبراهيم –عليه السلام- من التّبعيّة لأبيه ليصبح هادياً له ومرشداً (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً) [مريم:43]. والثمن الذي يدفعه الأنبياء –عليهم السلام- وكل أولئك الذين يسيرون على منهجهم في الخروج على المألوف وإرساء قواعد جديدة للحياة -إن الثمن الذي يدفعونه هو القتل والإيذاء والاضطهاد والطّرد من الديار.
والحقيقة أن التفكير العميق والمنهجي هو الآخر يقوم بخلخلة ما يبدو متصلاً ومنسجماً، ويقوم بإيجاد الفراغات وفتح الفجوات فيما يبدو ممتلئاً ومتماسكاً، إنه يزرع روح التحديث في جسد التقليديّ والمستمر. وبذلك يلتقي نتاج الفكر بثوابت الوحي وحقائق العلم، أو قل: يعمل العقل، ويشتغل على قطعيّات الوحي ومسلمات العلم.
حيث تغادر بلدك بجسدك، فإنك تكون أمام فرصة حقيقيّة للتخلص من كل المفاهيم البالية والضغوط الاجتماعيّة الخاطئة، ومن كل الأهواء التي تُشبع بها أولئك الذين ما زالوا يقيمون في ذلك الوطن، وتُتاح لك فرصة أقل من هذه الفرصة حين تملك فضيلة التأبي وفضيلة التمييز بين الصواب والخطأ والحسن والقبيح، ولو كنت تعيش بين أهلك وفي مدارج صِباك. إنه الانفصال العقليّ والروحيّ الناتج من الامتلاء بالهدي الرّبانيّ: في كلتا الحالتين سيشعر المرء بالغربة، وبشيء من العُزلة والتفرّد، وسيواجه ضغوطاً وأزَمات لا يجدها أولئك المقيمون في أوطانهم، وأولئك المشتغلون بلقمة يومهم، الراضون بالفُتات والفاقدون للتّمييز. وقد قال عليه الصلاة والسلام: "بدأ الدين غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء".
دين واحد بمفرده يحتفظ بنقائه واتجاهه وأهدافه بين عشرات الأديان والمذاهب والتيارات؛ إنه لشرف عظيم ومهمة صعبة. ومسلمون غرباء، يحاولون الاحتفاظ بنقائهم –أيضاً- ويعملون على إصلاح ما تفسده الجماهير العريضة. هؤلاء المسلمون طوبى لهم ثم طوبى!!
حين تغترب ببدنك أو بعقلك ومشاعرك فإنك تضع نفسك على رأس طريقين: أن تعيش على الهامش تجترّ آلام الغربة، وتبكي من الوحدة، وتبذل كل جهدك من أجل الاستمرار في الحد الأدنى من العيش تأكل وتشرب وتتكاثر وتتنفس، وإلى جانب ذلك تغرق في الحديث عن محاسن وطنك الذي فقدته ومساوئ البلد الذي حلَلْته، أو تغرق في ذكر مثالب الناس الذين يخالفونك في اتجاهك وانتمائك ورؤيتك للحياة. وتغرق في الحديث عن العامة والدهماء والغوغاء، وما أنعم الله –تعالى- عليك به إذ لم تكن واحداً منهم.
أما الطريق الثاني: فهو أن تنطلق من نعمة الخروج من الصندوق والتحرّر من قيود الاستكانة لما هو سائدٌ وطاغٍ. وحينئذ فستشعر أنك تملك ما لا يملكه غيرك من ثقوب النظر والقدرة على رؤية الأشياء من زوايا مختلفة. وستشعر أن في إمكانك أن تكون صاحب رسالة، تعيش من أجلها، وتعيش بها، وبهذا وحده يكون للغربة –بشقّيها- معنى، وتكون لها ميزة.
إن المسلم الملتزم والواعي بشجون عصره سيواجه من الآن فصاعداً المزيد من الشعور بالغربة، وإن عليه أن يعدّ نفسه للاستفادة من هذا الشعور كي يجعل منه وقوداً روحياً في حركة التحرير: تحرير الذات وتحرير الأمة وبناء المستقبل.
أمّة الإسلام –على كثرة عددها- غريبة بين الأمم، وأصالتها في غربتها ودورها المستقبلي في تقديم شيء للعالم يكمن في هذه الغربة. فكيف يمكن لها أن تقدّم هداياها للناس، وما طبيعة تلك الهدايا؟
 



في ظل الاتصال العالمي، وفي ظل سيطرة العولمة وانتشار مفاهيمها أخذت مشكلات العالم شرقاً وغرباً في التجانس والتشابه، أي يمكن القول: إن حاجة الإنسان في الغرب على المس

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الأيام النظرة في شرح السيرة العطرة ( 4 )

كتبها المهاجر ، في 5 ديسمبر 2007 الساعة: 21:39 م

فـصـل فـي غـزواتـه ـ صلى الله عليه و سلم :
الدرس الرابع :
الحمد لله خالق الكون بما فيه وجامع الناس ليومٍ لا ريب فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده تقدست عن الأشباه ذاته ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، آخر الأنبياء في الدنيا عصرًا وأولهم وأرفعهم يوم القيامة شأنًا وذكرًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع نهجه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذا رابع الدروس العلمية التي نَتَفَيَّأُ من خلالها السيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا صلى الله عليه وسلم عبر متنٍ علميٍّ هو الدرة المضيئة للإمام المقدسي رحمه الله تعالى، وقد سبق في الإسبوع الماضي أن تحدثنا عن وفاته وأولاده صلوات الله وسلامه عليه، وقلنا في وفاته أنه عليه الصلاة والسلام تُوُفِيَ عن ثلاثٍ وستين عامًا، قضى منها بعد بعثته ثلاثةً وعشرين عامًا، ثلاثة عشر منها في مكة، وعشر سنين في مدينته صلوات الله وسلامه عليه.
ومن المسائل التي طرحناها ما ذُكر أو نُقل نقلا صحيحًا أنه وضِعت تحت جسده في قبره قطيفةٌ حمراء، وضعها شقران الذي اسمه صالح مولاه صلوات الله وسلامه عليه، وقلنا إن من العلماء من قال بكراهة هذا الأمر، وأجبنا عن هذا أن هذا اختاره الله جلّ وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم، والله لا يختار لنبيه إلا الأفضل، ثم ذكرنا وجهًا تعليليًّا له، وهو أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وقلنا أن هذا من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه.
كما ذكرنا من المسائل أن الصحابة رضي الله عنهم صلوا عليه صلوات الله وسلامه عليه صلاة الميت أفذاذًا – بمعنى أفرادًا- لم يؤمهم أحدٌ، وقلنا إن لأهل العلم أجوبةُ بسبب هذا من أظهرها ما أجاب عنه الإمام أبو عبد الله الشافعي رحمة الله تعالى عليه، فما كان تعليل الشافعي لكون الصحابة لم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم؟ قلنا إن الشافعي علل هذا لعظيم قدره صلى الله عليه وسلم ومنافستهم على أن يؤمهم عليه أحدٌ، هذا جواب الشافعي، وقلنا إن ثمت أجوبة أخرى غير هذه، ما هي؟ قيل إنه من باب التعبد الذي لا يُعقل معناه، وقلنا هذا أبعد الأجوبة، ومنها كثرة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يصلوا عليه مرةً واحدة، فإن هذا يجعل كثرة الصلاة عليه.
ثم انتقلنا إلى ذكر أولاده من بنين وبنات، وقلنا في أول الأمر إن اللغة تُبين أن كلمة الولد تُطلق على الذكر والأنثى، ودليلها من القرآن قوله جلّ وعلا ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ [النساء: 11]،فجمع الأولاد ثم فصل جلّ وعلا فأدخل الذكر والأنثى في مُسمَّى الأولاد، وقد بينّا أنه صلى الله عليه وسلم له من البنين ثلاثة ومن البنات أربعة، وأن جميع أولاده تُوفوا قبله إلا فاطمة تُوفيت بعده بستة أشهر رضي الله عنها وأرضاها، وقد أخبرها يوم وفاته أنها أول أهله لحوقًا به.
ولما ذكرنا دفنه –وهذا عودٌ على بدء- قلنا إن دفنه صلى الله عليه وسلم في الموضع الذي مات فيه أحد خصائص الأنبياء، ومن باب الفوائد ذكرنا ستةً من خصائص الأنبياء، هذه واحدةٌ منها أنهم يدفنون حيث يموتون، فما الخمس الباقية:
• تنزيل الوحي عليهم، وهي أعظم خصائصهم.
• رعيُ الغنم، ما من نبيٍّ إلا رعاها.
• تنام أعيُنهم ولا تنام قلوبهم.
• يُخيَّرون عند الموت.
• أن الأرض لا تأكل أجسادهم.
هذا جملة ما ذكرناه بالإسبوع الماضي .

فصل في غزواته:

(غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه خمسًا وعشرين غزوة، هذا هو المشهور، قاله محمد بن إسحاق، وأبو معشر، وموسى بن عقبة وغيرهم. وقيل: غزا سبعا وعشرين، والبعوث والسرايا خمسون أو نحوها.
ولم يقاتل إلا في تسع: بدر، وأحد، والخندق، وبني قريظة، والمصطلق، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف. وقد قيل: إنه قاتل بوادي القرى، وفي الغابة، وبني النضير ).

ذكر المصنف هنا رحمه الله تعالى غزواته صلوات الله وسلامه عليه، والفرق ما بين الغزوة والسرية أن الغزوة ما يقودها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، أما السرية أو البعث فكلاهما بمعنًى متقارب، والمقصود منها ما يبعثه النبي صلى الله عليه وسلم ويجعل عليه قائدًا من الصحابة دون أن يكون معهم، فالمعركة التي يحضرها صلوات الله وسلامه عليه غزوة، والتي لا يحضرها وإنما يبعث بعثًا تُسمى سرية أو بعث، وكلاهما بمعنًى مُتقارب، فلا يكون صلى الله عليه وسلم مُشاركًا فيها، هذا من باب المدخل للموضوع.
ومعلومٌ أن المصنف يذكر هذه الأمور وهي واضحة، فلا ينبغي لمن يتصدر في الشرح أن يكرر ما يقوله صاحب المتن لأن هذا لا يُسمَّى شرحًا، وإنما نذكر ما وراء هذا المتن، فنقول هذه الغزوات من أعظم الدلائل على جهاده بالسنان كما جاهد باللسان صلوات الله وسلامه عليه، فقد قاتل من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، والعدد الذي ذكرها المصنف عددٌ تقريبيٌّ قد يزيد قليلا وقد ينقص قليلا، وهي كلها في جملتها تدل على ما كان عليه صلوات الله وسلامه عليه من جهادٍ في سبيل إعلاء دين ربه تبارك وتعالى.
والنبيون الذين قبله عليه الصلاة والسلام لم يكن الجهاد مشروعًا لديهم، وإنما شُرع الجهاد من موسى فما بعد، أما قبل موسى فلم يكن الجهاد مشروعًا، وإنما كانت القضية أن النبي يدعو قومه فيختلفون فيه إلى فريقين، يكون أكثرهم غير متبعين وقليلٌ منهم متبعٌ للنبي، ثم إن الله يُهلك من لم يتبع ذلك النبي فينتهون، كما أهلك الله ثمود وأهلك الله عاد وأهلك الله كثيرًا من قوم نوح وكثيرًا من الأمم دون أن يكون هناك جهادٌ ما بين النبي وأتباعه من المؤمنين مع أولئك الكفار.
وإنما شُرع الجهاد في شريعة موسى كما قال الله جلّ وعلا ﴿ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [المائدة: 21]، وبعد ذلك في الأنبياء من بني إسرائيل وفي عهد عيسى بن مريم، ثم جاء نبينا صلى الله عليه وسلم فشُرع الجهاد بعد هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، هذا المدخل الثاني.
المسألة الثالثة أو المدخل الثالث في القضية رؤوس الغزوات وأعظمهن وأصولها سبع، وهن على ترتيب وقوعها التاريخي بدرٌ، وأُحدٌ، والأحزابُ -وتُسمَّى أحيانًا بالخندق-، وخيبر، وفتحُ مكة، وحنين، وتبوك، هذه الغزوات التي ورد ذكرها في القرآن، ذكر الله بدرًا في "الأنفال"، وذكر أُحدًا في "آل عمران"، وذكر حنينًا في "التوبة"، وذكر فتح خيبر في "الحشر"، وغيرها، كل هذه السبع نص تعالى عليها أو أرشد إليها أو أشار في القرآن جملةُ إليها، هذه السبع.
من الفوائد العلمية أن بدر إذا أُطلقت يُراد بها بدر الكبرى، وإلا بدرٌ على التحقيق ثلاثة، بدر الصغرى، وبدر الكبرى وبدر الموعد،
فأما بدر الصغرى فقد كانت على رأس ثلاثة عشر شهرًا من الهجرة، جاء رجلٌ يُقال له كرز الفهري فأغار على سرح المدينة فتبعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى وادٍ يُقال له وادي صفوان قريب من بدر، النبي عليه الصلاة والسلام لما أغار كرز الفهري على سرح المدينة تبع كرزًا هذا إلى وادٍ قريب من بدر يُسمَّى وادي صفوان، فهذه عند بعض أهل السير تُسمَّى بدر الصغرى.
أما بدر الكبرى فغنية عن التعريف، هي الموقعة المشهورة التي وقعت عند ماء بدر في شهر رمضان، والتي أسماها الله جلّ وعلا بيوم الفرقان.

أما بدر الموعد – وهي غير مشهورة - فهذه ذكرها أبو إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم وعده أبو سفيان يوم أحد، أبو سفيان توعد المسلمين بحرب في العام القادم لما انتصر في أحد، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدرٍ في القادم إتمامًا للموعد ولكن أبا سفيان خرج حتى مضى في بعض الطريق ثم رجع مُحتجًا بأن ذلك العام عام جدب، فلم يقع فيها قتال، لكننا نذكرها من باب السرد التاريخي، فيتحرر أن بدرًا تُطلق على ثلاثة، بدر الصغرى، وبدر الكبرى، وبدر الموعد، هذه الثالثة.
المسألة الرابعة في القضية، هذه الغزوات كلٌ منها كان يحمل حدثًا بعينه ينبئ عن عظيم قدره وعظيم جهاده وما الذي يٌقتفى به صلى الله عليه وسلم، فمثلا في يوم بدر قال عليه الصلاة والسلام ( امضوا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين )، كان يقصد بإحدى الطائفتين إما العير التي كانت مع أبي سفيان، وإما النصر على قريشٍ إذا حاربها، قال الله ﴿ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ﴾ [الأنفال: 7].

كان مطمع المسلمين في العير، ومع ذلك – وهذا موضع الشاهد في القضية كلها- أنه عليه الصلاة والسلام ليلة بدر في العريش وقف يدعو ويرفع يديه ويذكر الله ويُثني عليه ويدعوه ويُلح بالدعاء حتى أشفق عليه أبو بكر، مع علمه صلى الله عليه وسلم أنه سينتصر فإنه قال لأصحابه وهو الصادق المصدوق ( إن الله وعدني إحدى الطائفتين )، وقلنا إن إحدى الطائفتين إما العير وإما النصر، والعير فلتت ومضت، خرج بها أبو سفيان ونجت، فأصبح لا محالة بالنسبة له بتبليغ الله له أنه سينتصر.
ومع أنه يعلم يقينًا أنه سينتصر إلا أنه وقف صلى الله عليه وسلم يدعو، فلماذا وقف يدعو – وهذا أعظم ما دلّت عليه غزوة بدرٍ من فوائد-؟ وقف يدعو حتى يحقق كما التوحيد لربه جلّ وعلا، ويظهر من نفسه كمال العبودية لربه جلّ وعلا، فأظهر صلى الله عليه وسلم في يوم بدرٍ كمال العبودية لله والتضرع وسؤال الله وهو يعلم عليه الصلاة والسلام يقينًا أنه مُنتصر لأنه قال لأصحابه قبل أن يصل إلى العريش ( امضوا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين )، فهو مُتحققٌ من وعد الله له، لكنه فعلها ليظهر عبوديته لربه جلّ وعلا، وهذا أحد أعظم أسباب عُلُوِّ شأنه على جميع الخلق صلوات الله وسلامه عليه.
في يوم أُحدٍ شُجَّ رأسه وكُسرت رباعيته فقال ( كيف يُفلح قومٌ شجوا رأس نبيهم وهو يدعوهم إلى الله؟! ) فأنزل الله جلّ وعلا قوله ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [أل عمران: 128]، وكان الأمر كما أرد الله، فقد وقع ممن شهد أحدًا مع أهل الإشراك أسلم بعد ذلك وكان مُدافعًا عن الدين، وهذا يُذكّر بدرسٍ قديم وفائدة قديمة أن القلوب بيد الله وأن الإنسان لا ييأس من أحدٍ وهو يدعوه، بل إنه يُحاول أن يستثمر من حوله كيف يدعوهم إلى دين الرب تبارك وتعالى.
كذلك من الفوائد تواضعه صلى الله عليه وسلم يوم دخل مكة، فقد دخلها مطرقًا رأسه وعلى رأسه المِغفر تواضعًا لربه جلّ وعلا، والعظماء إذا سادوا وحققوا مرادهم يُظهرون لله جلّ وعلا تواضعهم حتى يُعلِم من حوله -بسلوك الحال فضلا عن لسان الحال- أنهم نالوا ما نالوا بما أعطاهم الله تبارك وتعالى إياه، هذه جملة مما يمكن أن يُقال عن فوائد ما ذُكر عن غزواته صلى الله عليه وسلم.
بقي التعليق على ما ذكره المُصنف في آخر هذه الفصل أنه عليه الصلاة والسلام قيل إنه قاتل في غزوة وادي القرى والغابة وبني النضير، وادي القرى وادٍ بين تيْمَاء وخيبر، وخيبر أقرب إلى المدينة من تيماء، وسُمي بوادي القرى لكثرة القرى التي فيه، وهي معركة حصلت بعد غزوة خيبر، هذا ما يتعلق بوادي القرى، أما الغابة فهو مكانٌ غير بعيدٍ عن المدينة، جاءت في سيرة ابن إسحاق ما يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سريةً إليها، أما بني النضير فإنه قومٌ من اليهود، إحدى قبائل اليهود التي كانت تسكن المدينة، أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها في شهر ربيعٍ الأول من السنة
الرابعة.

فصل في كتابه ورسله:

(كتب له صلى الله عليه وسلم:أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعامر بن فُهيرة، وعبد الله بن الأرقم الزهري، وأُبي بن كعب، وثابت بن قيس بن شمَّاس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وشُرَحْبيلُ بن حسنة، وكان معاوية بن أبي سفيان وزيد بن ثابت ألزمهم لذلك، وأخصهم به )

بعد أن ذكر المصنف رحمه الله بعضًا مما يُشير إلى غزواته صلوات الله وسلامه عليه أشار إلى من كان يكتب له عليه الصلاة والسلام، وهذا يسوقنا إلى مسألةٍ مهمة وهي أن الله جلّ وعلا بعث نبيه أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وقد عاش عليه الصلاة والسلام لا يقرأ ولا يكتب أربعين عامًا قبل النبوة، وهذا لحكمةٍ أرادها الله حتى لا يأتي أحدٌ ويقول إن هذا النبي حصل على ما حصل
المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الأيام النظرة في شرح السيرة العطرة ( 3 )

كتبها المهاجر ، في 3 ديسمبر 2007 الساعة: 09:48 ص

مجموعة فوائد - فصل في أولاده :
الدرس الثـالـث :
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده
الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوّى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، كنا قد ذكرنا شيئًا من نسبه عليه الصلاة والسلام ومولده وهجرته، ثم انتهينا إلى وفاته صلوات الله وسلامه عليه، وذكرنا جملةً من الفوائد لعله قد يكون من المناسب استحضار بعضها، فإننا ذكرنا زواجه عليه الصلاة والسلام من خديجة بنت خويلد، وقلنا إن هذه الصحابية الجليلة أم المؤمنين خصّها الله جلّ وعلا ببعضٍ من الخصائص، منها من انفردت به عن أمهات المؤمنين، ومنها ما انفردت به عن نساء العالمين أجمعين،

فما الذي انفردت به عن أمهات المؤمنين؟
أولا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج عليها أحدًا في حياتها.

والثانية: أن الله جلّ وعلا رزقه منها الولد. هذا من انفردت به عن أمهات المؤمنين، ثم قلنا إن لها خصيصة ليست لأحدٍ من نساء العالمين، أن الله أمر جبريل أن يُبلغها السلام، وهذه الخصيصة لم تكن لأحدٍ –فيما نعلم- من نساء العالمين.
ثم إننا ذكرنا أن الهجرة حدثٌ يتعلق بشخصيته صلى الله عليه وسلم كقدوة، وقلنا ما كان يتعلق به كقدوة هذا الذي يُحتذى به، أما ما كان لا يتعلق به كقدوة فهذا يُعلم ويُعرف له قدره عليه الصلاة والسلام، لكن الأمة غير ملزمةٍ به، وذكرنا على هذا مثالا حادثة الإسراء والمعراج.

كما أننا تكلمنا عن أبي طالب، وقلنا إنه ناصر النبي عليه الصلاة والسلام وعضده وكان معه في شعب بني هاشم حينما حاصرت قريشٌ النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا أنه يتعلق بنصرة أبي طالبٍ للنبي عليه الصلاة والسلام فوائد ذكرنا منها فائدتين:
• أن الإنسان يستخدم الوسائل التاريخية المتاحة إذا كان في ذلك نُصرةً للإسلام.
• والثانية الهداية، وقلنا إن كون أبي طالبٍ رغم نصرته للنبي عليه الصلاة والسلام لم يُرزق الهداية يدل على أن الهداية بيد الرب تبارك وتعالى، ونسأل الله جلّ وعلا أن يثبتنا وإيّاكم على هديه.

اليوم إن شاء الله تعالى سنأخذ ثلاثة فصولٍ من الكتاب من المتن المُقرر، منها ما
يتعلق بوفاته عليه، وهذا هو الفصل الأول، ثم ننتقل إلى فصلٍ في أولاده عليه الصلاة
والسلام، ثم فصلٍ في حجه عليه الصلاة والسلام.

( وفرش تحته قطيفة حمراء كان يتغطى بها )

الأصل أن الميت لا يُفرش له شيءٌ في قبره، دفن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا من أصحابه ماتوا في حياته ولم يُنقل أنه أُدخل معهم في قبرهم شيءٌ، ولكن هذه القطيفة كان عليه الصلاة والسلام يفرشها ويجلس عليها ويلبسها أحيانًا، فأنزلها شقران الذي هو صالح مولاه معه في القبر، ثم فرشها وجعل النبي عليه الصلاة والسلام عليها، وأصل هذا الكلام الذي ذكره المصنف في صحيح مسلمٍ من حديث ابن عبّاس.

على هذا تتحرر مسألة هل يجوز أن يُفرش تحت الميت قطيفة أم لا؟

قال بعض العلماء في الإجابة عن هذا وحكاه النووي عن الجمهور أنه يُكره فعله وأن شقران فعلها دون علم الصحابة لأنه كره –أي شقران- أن يلبسها أحدٌ بعد نبينا صلى الله عليه وسلم.
وهذا التعليل الذي ذكره النووي رحمه الله غير صحيح، أو بتعبيرٍ أصح ضعيف، لأننا نقول إن الله جلّ وعلا لا يختار لنبيه إلا الأفضل، فما كان الله ليسمح قدرًا لشقران أن يضع هذه القطيفة تحت النبي صلى الله عليه وسلم والله يكره ذلك، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يكفله ربه ويرعاه ويحفظه ويُحيطه بعنايته حيًا وميتًا، فينجم عن هذا تخريجًا أسهل فنقول إنه يُكره بل قد يصل أحيانًا إلى حد المنع أن يوضع تحت أي ميّت قطيفة حمراء أو قطيفة من أي نوع، وإنما هذه خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن قال قائل ما وجه الخصوص هنا، قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الأرض حرّم الله عليها أن تأكل أجساد الأنبياء، فلأن الأرض لا تأكل جسده أذن الله قدرًا لشقران أن يضع هذه القطيفة تحت نبينا صلى الله عليه وسلم.
وبهذا يمكن تخريج المسألة بأن الله لا يختار لنبيه إلا الأفضل، وأن هذا من خصائصه، وممن نص من العلماء على أن هذه خصيصةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وكيع بن الجراح المحدث المشهور، شيخ كثير من السلف كالإمام أحمد وغيره، فوكيعٌ نص على أنها خصيصة للنبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا يظهر لنا أنه ينجلي الإشكال في المسألة، والله أعلم.

( ودخل قبره العباس وعلي والفضل وقثم وشقران، وأطبق عليه تسع لبنات، ودُفن في الموضع الذي توفاه الله فيه حول فراشه، وحفر له وألحد في بيته الذي كان بيت عائشة، ثم دفن معه أبو بكر وعمر – رضي الله عنهما - )

أما كون من نزل معه القبر فقد ذكر المصنف رحمه الله أنه نزل القبر خمسة، العباس وقثمٌ والفضل وعليٌ وصالحٌ مولاه الذي هو شقران، وهذا روايةٌ أضعف والصحيح أن الذي نزل القبر أربعةٌ فقط ليس منهم العباس، ذكر المقدسي رحمه الله في هذا أن العبّاس منهم كما ذكره النووي، لكن الصحيح أن الذي نزل القبر أربعة هم قثمٌ والفضل ابنا العبّاس بن عبد المطلب وعليٌّ ومولاه شقران، هؤلاء الأربعة الذين تولوا نزول قبره وإجنانه –أي ستره صلى الله عليه وسلم – دون الناس، هؤلاء الذين نزلوا القبر.

ثم وُضعت عليه تسع لبناتٍ، وقبلها كانوا قد اختلفوا هل يلحدون له لحدًا كما هو صنيع أهل المدينة، أما يجعلون القبر شقًا كما هو صنيع أهل مكة، فبعثوا إلى الاثنين وقالوا: اللهم خِر لنبيك –أي اختر لنبيك-، فالذي ذهب ليأتي بالحفار الذي يشق لم يأت ولم يجده، والذي ذهب إلى بيت أبي طلحة وكان يلحد لأهل المدينة -أي يضع لحدًا في القبر- جاء وحفر القبر للنبي عليه الصلاة والسلام.
وقبل أن يحفروا القبر اختلوا أين يُدفن، وهذا أحد أسباب تأخير دفن النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما أقول أحد الأسباب يدل على أن هناك أسبابٌ أخرى، هذا أحد الأسباب التي دعت الصحابة إلى أن يتأخروا في دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو بكرٍ رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( ما مات نبيٌّ إلا دُفن حيث يُقبض )، وهذا القول أحد خصائص الأنبياء، وهذا –إن صحّ القول- يقودنا –من باب الاستطراد العلمي- لمعرفة بعض خصائص الأنبياء كفوائد.

الله جلّ وعلا جعل للأنبياء خصائص نذكرها إجمالا:

• منها الوحي، وهو أعظم خصائص الأنبياء، الوحي الذي هو أعظم خصيحة فرق الله بها بني الأنبياء وغيرهم من الناس.

• الأمر الثاني أنهم يُخيرون عند الموت.

• الأمر الثالث أنهم يُدفنون حيث يموتون.

• الأمر الرابع أن الأرض لا تأكل أجسادهم.

• الأمر الخامس أنهم جميعًا رعوا الغنم، قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر ( وما من نبيٍ إلا رعاها )، لما جنى معهم الكَبَاث قال ( عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه )، قالوا: يا رسول الله كأنك كنت ترعى الغنم، قال ( وهل من نبيٍ إلا رعاها، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ).

• الأمر السادس أنه تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.
هذه ستةٌ من خصائص أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم ذكرناها استطرادًا، وجاء معنا أن النبي عليه الصلاة والسلام دُفن في الموقع الذي مات فيه –أي في حجرة عائشة-، وهذا مما تناقل تواترًا بين المسلمين وتحرر أنه في المكان المقبور فيه.

ثم قال المصنف ( ثم دفن معه أبو بكر وعمر – رضي الله عنهما - )
أبو بكرٍ وعمر دُفنا في نفس حجرة عائشة، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها –وهذا من الفوائد وفرائد العلم- قد رأت قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم في منامها أن ثلاثة أهلة أو أقمار سقطت في حجرها، فذهبت إلى أبيها أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقصت عليه الرؤيا وكان أبو بكرٍ مما يُعبر، فسكت عنها ولم يجبها أدبًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات عليه الصلاة والسلام ودُفن في حجرة عائشة جاء أبو بكرٍ إلى عائشة وقال لها "هذا أول أقمارك يا عائشة"، ثم دُفن أبو بكرٍ رضي الله عنه بجوار النبي صلى الله عليه وسلم.
وكانت عائشة رضي الله عنه تريد أن تدخر ما بقي من الحجرة لها، فلما مات أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يموت أرسل ابنه عبد الله يستأذن عائشة في أن يُدفن ما صاحبيه وقال: قل لها عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فدخل عليها عبد الله وقال لها: عمر بن الخطاب يستأذن أن يُدفن مع صاحبيه، فقالت: لأوثرنه اليوم على نفسي وقد كنت أدخره –أي الموضع- لنفسي، فوافقت، فلما رجع عبد الله إلى أبيه كان عمر مازال حيًّا طريح الفراش من طعنة أبي لؤلؤة المجوسي، فلما دخل قال: ما وراءك، يعني يسأل ما الجواب، قال عبد الله ابنه: أبشر بالذي يسرك يا أمير المؤمنين فإنها قد وافقت، فقال عمر رضي الله عنه: والله ما من شيءٍ كان أهم عليّ من هذا الأمر، أن يُدفن مع صاحبيه.
ثم ظهرت عدالة عمر بجلاء فقال: فإذا أنا مت فغسلوني وكفنوني ثم استأذنوا لي منعائشة مرةً أُخرى فإنني أخاف أنها وافقت في الأول استحياءً مني أنني حيٌّ، فلما مات عمر وغُسِّل وكُفن وصُلِّي عليه وحُمل قيل لها وهو محمولٌ على أعناق الرجال: عمر بن الخطاب يستأذن أن يُدفن مع صاحبيه مرةً أُخرى، فوافقت رضي الله عنها فدُفن عمر مع النبي عليه الصلاة والسلام وصاحبه، وقال بعض المؤرخين بقي موضع جملةٌ من الروايات تدل على أنه سيدفن فيه عيسى بن مريم، والله تعالى أعزُّ وأعلى وأعلم.
قبل أن نُكمل هذا ما تقيدت به في شرح النص الذي ارتبط بالمتن، أما الكلام عن وفاته عليه الصلاة والسلام
المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هل تصل قراءة القرآن نيابة عن الميت أم لا ؟

كتبها المهاجر ، في 26 نوفمبر 2007 الساعة: 07:50 ص

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين . أما بعد :
فقد دلت الأدلة الصحيحة على وصول ثواب الدعاء والصدقة والحج والعمرة . وما سوى ذلك فليس فيه دليل فعلى المسلم أن يقتصر على الوارد .
فقد سئل علماء اللجنة الدائمة السؤال التالي :
هل يصل ثواب قراءة القرآن وأنواع القربات إلى الميت؟ سواء من أولاده أو من غيرهم؟
فأجابوا بما يلي :
لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم - أنه قرأ القرآن ووهب ثوابه للأموات من أقربائه أو من غيرهم، ولو كان ثوابه يصل إليهم لحرص عليه، وبينه لأمته لينفعوا به موتاهم، فإنه عليه الصلاة والسلام بالمؤمنين رءوف رحيم،
وقد سار الخلفاء الراشدون من بعده وسائر أصحابه على هديه في ذلك، رضي الله عنهم، ولا نعلم أن أحدا منهم أهدى ثواب القرآن لغيره،
والخير كل ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إنجاز المرحلة الثالثة من جسر الجمرات

كتبها المهاجر ، في 26 نوفمبر 2007 الساعة: 07:45 ص

تم في المشاعر المقدسة بمنى في السعودية، الانتهاء من العمل في بناء المرحلة الثالثة من جسر الجمرات، وقد عمل في البناء 5 آلاف عامل، وسيتسع الجسر لـ 360 حاجاً في الساعة لرمي الجمرات، وأصبح الجسر مكونا من 3 طوابق، وأنشئ لتخفيف الزحام والتدافع أثناء رمي الجمرات.

وأصبح للجسر مداخل ومخ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الأيام النظرة في شرح السيرة العطرة ( 2 )

كتبها المهاجر ، في 26 نوفمبر 2007 الساعة: 07:39 ص

فـصـل فـي أسـمـائـه ـ صلى الله عليه و سلم :

الدرس الثاني:

فصل في أسمائه:
(روى جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إني أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي حَشَرَ الناس، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي ) صحيح متفق عليه )

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد،
هذا فصلٌ في ذكر أسمائه صلوات الله وسلامه عليه، وتحرير المسألة أن يُقال إن من أسمائه صلى الله عليه وسلم ما يُشاركه فيه الناس مثل محمد وأحمد، فالناس يُسمَوْن بمحمد وأحمد، ولهذا لم يقل صلى الله عليه وسلم في تفسيرهما شيئًا، قال ( أنا محمد ) ولم يُبين، وقال ( أنا أحمد ) ولم يُفصل، لأنها من الأسماء المشتركة التي يُسميها كل أحد، لكن عندما قال ( أنا الماحي ) ( أنا العاقب ) فسر صلوات الله وسلامه عليه، لأن الماحي و العاقب تتعلق بكونه نبيًا ورسولا لا تتعلق بكونه رجلا يُنادى بين الناس.
كونه عليه الصلاة والسلام ماحيًا فللكفر، وعاقبًا أي جاء عقب النبيين عليه الصلاة والسلام، هذا يتعلق برسالته، فلهذا بين ما معنى (الماحي)، وبين ما معنى (العاقب) الذي يُحشر الناس على يديه، بمعنى أنه من أشراط الساعة خروجه صلى الله عليه وسلم، لكنه عندما قال ( أنا محمد وأنا أحمد ) فهذا من الأسماء التي يشترك فيها صلى الله عليه وسلم في أصل التسمية مع الناس.
و أحمد هو الاسم المُسمى به في الإنجيل، ومحمد هو الاسم المُسمى به في التوراة، في التوراة جاء أن اسمه محمد، وفي الإنجيل جاء أن اسمه أحمد.

( وروى أبو موسى عبد الله بن قيس، قال: سمَّى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماءً، منها ما حفظنا، فقال: ( أنا محمد، وأنا أحمد، و المُقَفِّي ، ونَبِيُّ التوبة، ونَبِيُّ الرحمة ) وفي رواية: ( ونبي الملحمة ) وهي المقتلة، صحيح، رواه مسلم )
أبو موسى هو أبو موسى الأشعري الصحابي الجليل المعروف عبد الله بن قيس، أحد الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن، والحديث كما بيّن المصنف أخرجه الإمام مسلمٌ في الصحيح، وقد ذكر به النبي صلى الله عليه وسلم أسماءً خاصةً به هي محمد وأحمد بالنسبة للنبيين، ومعنى بالنسبة لنبيين لا يوجد نبيٌ من الأنبياء اسمه محمد، ولا يوجد نبي من الأنبياء اسمه أحمد، لكن كلمة نبي التوبة تُطلق عليه وعلى غيره من الأنبياء، ونبي الرحمة تُطلق عليه وعلى غيره من الأنبياء؛ لأن كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا رحمةً وتوبةً للناس، لكن الفرق بينه وبينهم أنه له منها صلى الله عليه وسلم الحظ الأوفر والنصيب الأكمل.

( وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنا أحمد، وأنا محمد، وأنا الحاشر، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، فإذا كان يوم القيامة لواء الحمد معي، وكنت إمام المرسلين، وصاحب شفاعتهم ).
و سماه الله – عز وجل – في كتابه العزيز: ﴿ بَشِيرًا ﴾ و﴿ َنَذِيرًا ﴾ [البقرة: 119]، و﴿ رَءُوفًا ﴾ و﴿ رَّحِيمًا ﴾ و﴿ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107] صلى الله عليه وسلم )

الأسماء الأولى التي ذكرها صلى الله عليه وسلم ونقلها المصنف تدل على رفيع مقامه عليه الصلاة والسلام عند ربه، وعلو منزلته، وله عليه الصلاة والسلام خصائص في الدنيا وخصائص في الآخرة، والمقام المحمود خصيصةٌ في الآخرة وهي أعظم خصائصه صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبدٍ وأرجو أن أكون أنا هو ) صلوات الله وسلامه عليه، ونحن نقول كما علمنا نبينا عليه الصلاة والسلام: وابعثه
مقامًا محمودًا الذي وعدته، والله جلّ وعلا قال له في الإسراء ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ [الإسـراء: 79]، فالمقام المحمود له صلى الله عليه وسلم.
ولواء الحمد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح ( ولواء الحمد يومئذٍ بيدي )، كل الناس آدم فمن سواه تحت هذا اللواء الذي يحمله صلوات الله وسلامه عليه. المقصود رفيع مقامه وجليل مكانته، ولا نريد أن نفصل فيها أكثر لأنها سيأتي بيانها في فصول قادمة، لكن معلومٌ من الدين بالضرورة مقامه صلوات الله وسلامه عليه بين خلق الله أجمعين ورفيع منزلته وعلو درجته عليه الصلاة والسلام عند ربه.

ثم قال المصنف ( وسماه الله – عز وجل – في كتابه العزيز: ﴿ بَشِيرًا ﴾ و﴿ َنَذِيرًا ﴾ [البقرة: 119]، و﴿ رَءُوفًا ﴾ و﴿ رَّحِيمًا ﴾ و﴿ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ )،
هذه الأفضل أن يُقال أنها صفات أكثر من كونها أسماءً، هذه صفات له عليه الصلاة والسلام أكثر من كونها أسماءً، لأن جميع الرسل كانوا مبشرين وكانوا منذرين، وكانوا رؤوفين بأممهم، وكانوا راحمين للعالم أجمع، لكن كما قلنا أن الفرق بينه وبينهم صلوات الله وسلامه عليه أن له المقام الأعلى وأنه أوفر حظًا وأكمل نصيبًا عليه الصلاة والسلام.

فصل: نشأته صلى الله عليه وسلم بمكة، وخروجه مع عمه أبي طالب إلى الشام، وزواجه بخديجة :
(: ونشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيما يكفله جده عبد المطلب، وبعده عمه أبو طالب ابن عبد المطلب.
وطهره الله – عز وجل – من دنس الجاهلية، ومن كل عيب، ومنحه كل خُلق جميل، حتى لم يكن يعرف بين قومه إلا بالأمين، لما شاهدوا من أمانته، وصدق حديثه، وطهارته )

لا ريب أن الله أعد نبيه صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر العظيم منذ الأزل، فكان
منطقيًا أن يتعهده ربه جلّ وعلا، والله جلّ وعلا قال لموسى ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ [طـه: 39]، فإذا كان في حق موسى فكيف بحق محمدٍ صلى الله عليه وسلم!
والمصنف هنا ذكر ما أفاءه الله جلّ وعلا عليه من إيواء جده أبي طالبٍ أول الأمر، ثم عمه أبي طالب، وكلا الرجلين بذلا جهدًا عظيمًا في كفالة نبينا صلى الله عليه وسلم، أما عبد المطلب فقد كان يقربه منه، وكانت يُفرش له فراش عند الكعبة فيجلس صلى الله عليه وسلم بجوار جده ولا يُعاتبه أحدٌ رغم أن عبد المطلب كان وجيهًا سيدًا مُطاعًا مُهابًا، لكن كانت الحَظْوَة برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صبيٌ عند جده عظيمة.
فلما مات كفله عمه أبو طالب، أبو طالب اسمه عبد مناف –على الأظهر-، وهذا العم مات على غير إسلام، لكن ذلك لا يمنع أنه كان من أعظم النصراء لنبينا صلى الله عليه وسلم، ومما يُقال عنه في تعهده بنبينا عليه الصلاة والسلام صغيرًا وكبيرًا أنه كان – والنبي عليه الصلاة والسلام صغيرًا ـ تطلب قريشٌ من أبي طالبٍ أن يستسقي لهم إذا أجدبت الديار – كما نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق- فجاء أبو طالبٌ وحمل النبي صلى الله عليه وسلم – وكان يوم إذٍ صغيرًا أبيضًا- فألصقه بجدار الكعبة، فلما ألصقه بجدار الكعبة أشار صلى الله عليه وسلم بإصبعه إلى السماء وهو صبي، فجاء السحاب من كل مكان فسُقوا حتى سال الوادي، فقال أبو طالبٌ في لاميته بعد ذلك:

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل

هذا من حظوة النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي طالب، فلما كبر بقيت هذه الحَظْوَة كما هي، وكان صلى الله عليه وسلم قد ربّاه الله وتعهده أنه يفقه ماذا يفعل وماذا يصنع من دون أن يعلم أنه سيكون نبيًا، فكان يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة من أجل أن يسد العوز والفقر والمسكنة المالية التي كانت موجودة عند أبي طالب حتى لا يكون عبئًا عليه، فلما حوصرت بنو هاشمٍ في الشعب كان أبو طالب – رغم كفره- أحد الذين حوصروا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الشعب.
وبلغ من محبته – رغم الكفر- مع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا جاء الليل يحمل النبي عليه الصلاة والسلام من مكانه ويضعه في مكانًا آخر، ثم يأتي بأحد أبنائه ويضعه مكان النبي عليه الصلاة والسلام حتى إذا أراد أحدٌ قد بيت النية أن يغتال النبي عليه الصلاة والسلام وهو نائم يغتال ابنه لصلبه ولا يغتال النبي عليه الصلاة والسلام، هذا يفعله كله وهو مشرك، يقول الله في الأنعام ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ﴾ [الأنعام: 26]، ﴿ يَنْهَوْنَ ﴾ عن أحدٍ أن يقتل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ﴾ أي أنه لا يقبل أن يدخل في الدين، حتى تعلم أن الهداية مردها إلى الرب تبارك وتعالى.
ويجب على العاقل المسلم أن يستفيد من الأوضاع التاريخية التي يعاصرها، فأبو طالبٍ كان كافرًا فاستفاد النبي صل
المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي